العبثية والتشظي الوجودي في نص "خيوط هشّة" للقاصة السورية إيمان السيد قراءة ذرائعية بقلم الناقدة الدكتورة عبير خالد يحيي
هذا نص غارق في
العبثية، حيث تتكرر العناصر بطريقة دائرية، ويتجلى فقدان المعنى أو التشظي الوجودي
في حياة الشخصيات. سنحلل النص وفقًا للمستويات الذرائعية:
1-
البؤرة الفكرية
يتناول النص
فكرة الانفصال بين الإنسان والواقع الذي يعيشه، حيث تتجسد حالة التمزق النفسي عبر
سلسلة من المشاهد العادية التي تنتهي بصدمة كبرى في الهوية. يهيمن على النص الشعور
بالاغتراب، خاصة مع تكرار رمزية الخيوط والحبال التي تتقطع أو تنفلت، وكأنها ترمز
إلى علاقات وارتباطات واهية بين الشخصيات والعالم. النهاية المفاجئة، حيث تدرك
الشخصية أنها كانت رجلًا قبل خروجها من الشقة، تعزز من الطابع العبثي وتطرح سؤالًا
جوهريًا عن الهوية والتحولات النفسية التي قد تطرأ دون أن يدركها الفرد.
2-
الخلفية الأخلاقية
النص يُظهر
عالمًا يفتقد إلى الاستقرار، حيث تسود الفوضى ويظهر العجز عن السيطرة على التفاصيل
الصغيرة، مثل الأزرار المقطوعة، الحبال المنفلتة، أو حتى العلاقات الاجتماعية
المتوترة بين الشخصيات. لا يبدو أن هناك صراعًا أخلاقيًا تقليديًا بين الخير
والشر، بل هناك عبثية تحكم تصرفات الشخصيات، كما لو أن الحياة تُديرها الصدف
والأحداث غير المنطقية. ربما تحمل النهاية نوعًا من التلميح إلى الهويات المتغيرة،
أو إلى فكرة أن الوعي قد يكون خادعًا للذات، مما يجعلنا نعيد النظر في فهمنا
لأنفسنا.
3-
المستوى اللغوي الجمالي
اللغة في النص
تتميز بالسلاسة والقدرة على التصوير البصري، مع استخدام التفاصيل الدقيقة لإيصال
إحساس التشظي والاغتراب. التشبيهات والاستعارات حاضرة بقوة، خاصة في الطريقة التي
تتحول فيها الأشياء اليومية إلى رموز:
"الخيط الغليظ" الذي يُفترض أن يسهل الدخول للمبنى لكنه ينفلت،
وكأنه يرمز إلى هشاشة الروابط الإنسانية.
"الحبل الذي يربط الكلب بصاحبه" ولكنه أيضًا يرمز إلى محاولة
الإنسان التحكم في ما لا يمكن السيطرة عليه.
"حبل الغسيل" الذي يسقط فجأة، وكأنه يُكمل سلسلة الأحداث العبثية
التي تحيط بالشخصية الرئيسية.
اللعب بالألفاظ
يظهر في الجزء المتعلق بقراءة اللافتة "سنعود بعد قليل" التي تحولت إلى
"نحن في الداخل"، مما يعكس حالة التشوش الذهني للشخصية.
4-
المستوى الديناميكي والنفسي
الحركة في النص
ديناميكية لكنها تفتقر إلى الغاية، فالشخصية تنتقل من حدث إلى آخر دون أن تتمكن من
التأثير في مجرى الأمور. هناك نوع من القلق الداخلي الذي لا يُصرّح به مباشرة،
لكنه ينعكس في تصرفات الشخصية وردود أفعال الآخرين عليها. المشهد الأخير، حيث
تتكشف الحقيقة الصادمة بأن الشخصية كانت رجلًا قبل الخروج من الشقة، يُمثل ذروة
هذا الاضطراب النفسي.
هناك تدرج نفسي
واضح:
يبدأ النص
بمشاهد تبدو عادية، لكنها تحتوي على إشارات خفية إلى التفكك (الأزرار المقطوعة،
النظرات المستغربة).
يتصاعد التوتر
مع كل مشهد، حيث تتحول العلاقات العادية إلى علاقات متوترة وغير متزنة.
تصل الشخصية إلى
ذروة الصدمة في النهاية، عندما تدرك أنها فقدت إحساسها بهويتها.
في الختام : هذا
النص العبثي يُجسد التشظي في أبسط تفاصيل الحياة، حيث تتحول أشياء صغيرة مثل
الخيوط والحبال إلى رموز لفقدان السيطرة والتغيرات غير المتوقعة. النهاية الصادمة
تؤكد أن العبث لا يكمن فقط في الواقع، بل يمتد ليشمل إدراك الإنسان لنفسه.
في قراءة
ذرائعية أعمق، يمكن البحث في أثر الصراع النفسي الداخلي للشخصية، وربط النص
بمفاهيم فلسفية تتعلق بالهوية والوعي والعبثية في الأدب.
#دعبيرخالديحيي الإسكندرية – مصر
12/3/ 2025
النص القصصي :
خيوطٌ
هشةٌ
قبل أن أخرج من
المبنى الذي أسكن فيه، رأيت الحارس يقوم بشدِّ الخيط الغليظ المربوط من الخارج،
عبر فتحةٍ ضيقةٍ، بمقبض الباب من الداخل، ليسهُل على سكان المبنى الدخول بمجرد سحب
هذا الخيط، فيُفتح دون أن يضطر أن يفعل ذلك بنفسه كل مرةٍ، ولمَّا رميتُ عليه تحية
الصباح، بَحلَق بي، وكأنه لم يرني قبل ذلك أبدًا، انتبهت لعُريي، فطويت الجاكيت
السميك الذي حاولت مرارًا تثبيت أزراره المقطوعة ولم أنجح، وشكرته على جهده
مبتعدةً، فانفلتَ الخيط الغليظ من يده.
لدى خروجي من
المبنى، وبعد أن لملمتُ شعري المتطاير، رأيتُ جارنا الكهل، الذي يسكن وحيدًا في
الدور الأول من المبنى، يهرول بأنفاسه المتلاحقة وراء كلبه الرَّمادي الذي أتى به
حديثًا بعد وفاة زوجته، وكان كلما شدَّ الحبل -الذي يربطه في كرَّارٍ يشبكه في يده
اليمنى- ازداد إصرار الكلب على الركض بعيدًا عنه، ولمَّا حاولت مشاكسة الكلب
بمجاراته بالركض، صدر عنه نباحًا صاخبًا، أفزعَ أهل الحي الذين فتح معظمهم النوافذ
لتقصِّي الخبر، لكنه لم يحرِّك بالكهل ساكنًا، بينما كنت أرى الكلب يفرُّ خائفًا
ومبتعدًا عن صاحبه، لعله -أي الكلب- لم يرني قبل ذلك لقلة خروجي من المنزل، فحسبني
غريبةً عن الحي!
انتهيت من
الشارع الذي كان يجمعني بالجار الكهل وكلبه -الذي فرَّ منه/ مني- ودلفتُ شارع
الحديقة الصغيرة في حيٍّ مجاورٍ لحيينا، مشيتُ بالقرب من سورها فسمعت شابةً تحذر
ابنتها ذات الخمسة أعوامٍ من شؤم إفلات خيط البالون الأحمر الضخم من بين أصابعها،
فاقتربتُ منها مبتسمةً لمساعدتها في ربط الخيط ببنصرها، ففزعت الطفلة محدقةً في
نهدَي النافرَين وفرَّت تجاه أمها بملامح شاحبةٍ، فلمتُ نفسي دون أن أدري لمَ فرت
خائفةً مني!
أسرعت خطواتي
-لأنسى ما حدث- باتجاه الماركت الذي اعتدتُ ابتياع حاجياتي من عنده، فوجدت صاحبه
قد وضع عبارةً، في لافتةٍ صغيرةٍ-كانت مقلوبةً- على الباب الزجاجي:
"سنعود بعد قليل"
لست أدري لماذا
قرأتها:
"نحنُ في الداخل"
ربما انقطاع
الخيط لعب دورًا كبيرًا في قلب كل المعاني وليس الأحرف فقط! لصقت أنفي بالباب
الزجاجي وأنا على يقينٍ أنه في الداخل، وربما أسمع الآن تأوهات من تصاحبه، فتشكّل
الضباب حول وجهي، وبدا أنفي أفطس وعيناي معلَّقتان في اللاشيء، راقني منظري الذي
انعكس على واجهة المحل الزجاجية فبدا هزليًا، فابتسمتُ ثم مددتُ لساني ورحت أقوم
بحركاتٍ بهلونيةٍ، أحاول فيها قتل ملل انتظار البائع، الذي لم يظهر رغم مرور ساعةٍ
من الزمن، ركلتُ أثناءها كل فوارغ المياه المعدنية والغازية المرميَّة أمام دكانه،
وحاولت جاهدةً أن أسدِّدها نحو حفرةٍ عميقةٍ كانت على مقربةٍ تتجمع فيها المياه
الآسنة ويترسَّبُ فيها الطين كلما أمطرت، ولما نفدت كلُّ الفوارغ ولم يظهر البائع،
قصدتُ السوق المحلي، فلمحت البائع البدين الذي اعتدت على شراء الخضار من عنده يندب
حظه:
- خسرتُ كلَّ شيءٍ.. كلَّ شيءٍ.
سألته مستفسرةً:
- خير، شو القصة؟
- الحبل الغليظ اللي ربطت فيه الغطى السميك فوق البضاعة آذان الفجر،
قصوه ولاد الحرام وسرقوا كل الخضار والفواكه اللي بعيش منها، لك اللي ماله حظ، لا
يتعب ولا يشقى.
ما قصة الخيوط
والحبال معي هذا اليوم؟!
تساءلت بيني
وبين نفسي، ولم أكد أنهي تساؤلي، بعد خطواتٍ، حتى سقط حبل غسيلٍ ثقيلٍ فوق رأسي،
وأخذ صوت امرأةٍ ثلاثينيةٍ كانت تقف في الطابق الثالث بشعرها المنكوش يتردَّد في
أنحاء السوق:
- يلعن أبو حظي، لك لهون لاحقني الشقى، هلء بدي إرجع إغسل كل التياب مرة
تانية؟ لك الله ياخدني ويخلصني من هالعيشة الزفت.
رحتُ أُلملم لها
قطع الثياب المتباينة في الحجم والألوان والتي اتسخت بالوحل والطين، فيما كانت
تلطم صدرها وتشدُّ شعرها حتى ظننت أنها
سترمي بنفسها من البلكونة الضيقة، وبينما كنت منهمكةً بلملمة قِطع الثياب
الخفيفة منها والثقيلة، تدلَّى نهديَ الأيمن من فتحة الجاكيت الذي لم يكن فيه
عروةً ولا خيطًا ولا زرًا، لأتذكر، مذهولةً، أنني كنت رجلاً قبل النزول من شقتي!
تعليقات
إرسال تعليق